الملكية والصحراء الجزء السري في قصة الحب المتبادل

قناة م 99

بقلم: عبد الهادي مزراري

تصف جبهة البوليساريو نفسها أنها حركة ثورية لتحرير الساقية الحمراء وواد الذهب، وتدعي أنه لا علاقة للمغرب بالصحراء.
هل ادعاء البوليساريو في محله؟
يقود الجواب على هذا السؤال إلى البحث في تاريخ العلاقة بين الملكية والصحراء في مداها القديم والمعاصر . لكن قبل ذلك، أليس حري بأن نطرح السؤال ما هي علاقة البوليساريو بالصحراء؟
دعنا نتجاوز الحقب التاريخية القديمة، التي لم تشهد لأرض الصحراء بسلطة قبل سلطات الاحتلال الإسباني سوى سلطان المغرب. ومن هنا نخوض مباشرة في تفاصيل التاريخ المعاصر للمنطقة وعلاقتها بكل من إسبانيا والمغرب، وجبهة البوليساريو.
على مستوى إسبانيا، لا يوجد لبس في الموضوع، فهي دولة محتلة وكان لا بد لها من الانسحاب من الساقية الحمراء وواد الذهب، مثلما انسحبت من سيدي إفني في 1969، ومن منطقة الريف شمال المغرب في 1956.
قبل أن نغلق الحديث عن إسبانيا، نذكر أن من سوء حظ المغرب أنه خلافا لكل الدول التي خضعت للاحتلال من طرف دولة معينة واحدة، خضع المغرب لاحتلال متعدد الجنسيات، إسبانيا في الشمال والجنوب، وفرنسا في الوسط، وطنجة تقسمت بين مجموعة من الدول.
على مستوى علاقة المغرب بالصحراء، واستنادا للمرجعية التاريخية التي تعود إلى ما قبل الاحتلال الإسباني، أظهر المغرب عزمه لاسترجاع هذه الربوع المحتلة، وطالب بها على مستوى الأمم المتحدة في اللجنة الرابعة، حتى قبل أن ينظم المسيرة الخضراء في 6 نونبر 1975، مستندا في الوقت نفسه إلى الراي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في لاهاي.
جوابا على من يطرح السؤال: هل علاقة المغرب بالصحراء تختصر في المسيرة الخضراء؟
الجواب: قطعا لا
المسيرة الخضراء هو يوم إعلان النصر على المحتل الإسباني، أما البداية، فكانت منذ عام 1958، عندما زار السلطان محمد الخامس قرية محاميد الغزلان وأعلن منها عزم المغرب استكمال وحدته الترابية مشيرا إلى الأقاليم الصحراوية الواقعة تحت الاحتلال الإسباني، وقال رحمه الله “سنواصل العمل بكل ما في وسعنا لاسترجاع صحرائنا، وكل ما هو ثابت لمملكتنا بحكم التاريخ ورغبات السكان، وهكذا نحافظ على الأمانة التي أخذنا أنفسنا بتأديتها كاملة غير ناقصة”.
كما سلف الذكر أن من سوء حظ المغرب خضوعه لاحتلال متعدد الجنسيات، وهذا فرض عليه أسلوبا خاصا في تحرير أراضيه يستند إلى التفاوض وإلى اتباع استراتيجية “خطوة خطوة”، فنظامه الملكي يتوفر على نظرة ملمة بالأوضاع الإقليمية والدولية، وله دراية بنقط الضعف والقوة المتغيرة بتغير الزمان والمكان.
اختار الحسن الثاني موعد تحرير الصحراء بعناية فائقة ودون أن يطلق ولا رصاصة واحدة، وشرع في إعداد ملف استرجاع الربوع الصحراوية، وكانت البداية من قطف باكورة تحرير سبدي إفني عام 1969، وبعدها بثلاث سنوات بمدينة اكادير في لقاء ثلاثي عام 1972، أحاط الحسن الثاني علما كلا من الرئيس الجزائري الهواري بومدين والرئيس الموريتاني المختار ولد داده، بقرار المغرب المتمثل في المطالبة باسترجاع الصحراء من الاحتلال الإسباني.
كان هدف الحسن الثاني هو جس نبض الجارتين الجنوبية والشرقية من جهة، ثم استباق أي نوايا سيئة محتملة لأي منهما في ما يتعلق برسم حدود بلاده في المستقبل.
لم يبد الهواري بوميدن ولا المختار ولد داده أي اعتراض، لكن بومدين تراجع عن مبدأه في ما بعد للأسباب التي سنذكرها لاحقا.
لم يكتف القصر الملكي برسم خطواته تجاه الصحراء على المستوى الدولي والإقليمي ولكن اهتم بما هو أهم وهو علاقاته المباشرة بسكان الأقاليم الصحراوية وهي ما تزال تحت الاحتلال الإسباني.
منذ تحرير سيدي إفني عام 1969، وضع الملك الحسن الثاني خطة سرية لفتح قنوات الاتصال بالصحراويين على المستوى الشخصي، فأبناء الأقاليم الصحراوية يدرسون في المؤسسات التعليمية المغربية، وآباؤهم انخرطوا في مؤسسات الدولة منذ حصول المغرب على الاستقال في 1955، وقبل ذلك انضم مئات الصحراويين إلى جيش التحرير ضد الاستعمار الفرنسي.
كل المعطيات البشرية كانت جاهزة للاستثمار في هذا الاتجاه، وفي عام 1973، أعطى الملك الحسن الثاني الضوء الأخضر لتأسيس أول منظمة مدنية سرية (المنظمة السرية الصحراوية) بتنشيط الحياة السياسية في العيون والسمارة وبوجدور وتهيأة الرأي العام الصحراوي للمطالبة بتصفية الاستعمار الإسباني وطرده من الصحراء.
حملت شخصيات من داخل القصر رسالة الحب الملكي للصحراويين وأبلغتهم اهتمام وعناية الملك، وجرت اتصالات برجالات الصحراء من تحت أنف الادارة الإسبانية، التي كان القصر الملكي يحاصرها بتحركات ديلوماسية مكثفة على الصعيدين الإقليمي والدولي.
في غضون ذلك، وردا على هذه المبادرات المغربية، لجأت الاستخبارت الإسبانية إلى خلق منظمة صحراوية تناوش المطالب المغربية في الصحراء، لأن الإسبان في كل الأحوال كانوا مجبرين على الانسحاب.
وضعية الجنرال فرانكو لم تكن وقتها على ما يرام، وكان آخر قطعة من مخلفات الحرب العالمية الثانية، وصديق هتلر المنبوذ، وكانت إسبانيا على مشارف الهاوية.
هذه المعطيات هيأت الإدارة الإسبانية لطرح البديل بعد الانسحاب وتقبل الهزيمة، وجاءت فكرة تأسيس جبهة البوليساريو التي أول ما رأت النور رأته بأحرف لاتينية إسبانية قبل ان تترجم إلى العربية وتصبح بهذا الاسم (جبهة تحرير الساقية الحمراء وواد الذهب).
من هنا نبدأ قصة علاقة البوليساريو بالصحراء، فهي منظمة ولدت في دهاليز الاستخبارات الإسبانية، وكان الهدف منها بالنسبة للاسبان هو تنفيذ ما يسمى “بالضربة المؤجلة” ضد المغرب.
نشأت منظمة البوليساريو في الحلقات الأخيرة من مسلسل الاحتلال الإسباني، وضمت شبابا صحراويين ثوريين يتقاسمون العداء للسلطات المغربية، فهم بطبيعة الحال ينتمون إلى تيارات يسارية متطرفة ليس لها أي امتداد في المجتمع الصحراوي، ولكن كانوا بما يكفي لتنفيذ المهمة القذرة وتوجيه الضربات المؤجلة ضد المغرب.
انتفخ البطن، وظهر الحمل، وولدت جبهة البوليساريو، ولكن لم يعرف الأب الشرعي لها، إلا بعد سنوات عندما فتحت إسبانيا أبوابها لأبناء الجبهة، واصبحت تمدهم بالمساعدات وتدافع عنهم تحت مظلة المجنسين الإسبان.
تقدم إسبانيا حتى يومنا هذا الكثير إلى جبهة البوليساريو، لكنها لا تفعل ذلك بشكل رسمي، ويصعب فعلا الاعتراف بمولود غير شرعي.
بطبيعة الحال لجأت البوليساريو بعد ان رأت النور إلى من يتبناها، ووجدت من يفعل ذلك في تناغم كبير مع توجهاتها الثورية ونزعتها اليسارية المتطرفة، رجل نظام دولة عربية في المنطقة يشبه الى حد بعيد الأب البيولوجي للجبهة (الجنرال فرانكو)، وهو نظيره معمر القذافي.
يقول أحد مؤسسي جبهة البوليساريو، “ذهبنا في البداية إلى الرئيس الجزائري الهواري بومدين ليدعمنا ورفض ذلك، ثم قصدنا القذافي وفتح ذراعيه إلينا”.
لم يكن رفض الهواري بومدين لدعم البوليساريو في البداية إلا التزاما بتعهده للملك الحسن الثاني في لقاء اكادير عام 1972. لكن القذافي الذي كان يكن عداوة خطيرة للمغرب ولملكه، اتصل بالهواري بومدين وأخبره باستعداد وضع كل إمكانيات الدولة الليبية في تدمير قلعة المغرب الليبرالية.
على هذه النغمة رقص الهواري بومدين، واتفق مع رفيقه القذافي في محور الشر على جعل قضية الصحراء حجرة في حذاء المغرب تعثر خطواته. فمنح البوليساريو قطعة أرض لإقامة مخيمات للصحراويين وبناء معسكر حربي، مقابل ذلك طرد آلاف المغاربة من الجزائر في خطوة تتسم بوحشية غير مسبوقة في التاريخ.
مرت مياه كثيرة تحت الجسر، سقط النظام الشيوعي، وأصبحث الافكار الثورية رجعية، واتضح ان النهج المغربي في بناء علاقات إقليمية ودولية هو الخيار السليم الذي يتسم بالحكمة وببعد النظر.
تراجع القذافي عن دعم البوليساريو، وعبر للحسن الثاني عن أسفه، واتفقا الرجلان في إعلان وجدة في غشت 1984 على إنشاء الاتحاد العربي الإفريقي، الذي توقف قطاره بعد عامين، لتفتح بعد ذلك الابواب لخيارات الوفاق في إطار بناء الاتحاد المغاربي الذي رأى النور في فبراير 1989 بمراكش، وكان يتشكل من 5 دول وهي المغرب موريتانيا الجزائر تونس ليبيا، بمعنى لا وجود للدولة الوهمية في خارطة المغرب الكبير.
كانت الأمور سيتسير في الاتجاه الصحيح، لو لا أن انقلابا حدث في الجزائر، طرد الشاذلي بنجديد، وقتل خلفه محمد بوضياف، ودخلت الجارة الشرقية في عشرية دموية قبل أن يستقر أمر النظام الجزائري مرة أخرى على نغمة العداء المستمر للمغرب.
في أثون ذلك، عاش الصحراويين أحلك سنواتهم في مخيمات تندوف لا مرافق، ولا بنية تحيتة، ولا حرية في العمل والتنقل والتعبير.
مقابل ذلك تصنف مدن العيون والداخلة والسمارة من أكثر الحواضر في منطاق الصحراء التي شهدت نماء في العالم بدون نفط او غاز .
وعد الهواري بومدين وأخلف، ووعد الحسن الثاني وأوفى ومن قبل ذلك كان وعد محمد الخامس، وهو الوعد ذاته الذي يسير عليه بخطى ثابثة الملك محمد السادس.
طابت أوقاتكم
M99TV
www.m99.ma


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...