منظمة الأغدية و الزراعة “FAO” آيت منصور في المغرب نظام فريد من نوعه للتنوع البيولوجي يقوم على أشجار الأركان

قناة م99

منظمة الأغدية و الزراعة “FAO” آيت منصور في المغرب نظام فريد من نوعه للتنوع البيولوجي يقوم على أشجار الأركان

يقع إقليم اشتوكة أيت باها المتسم بطابعه الريفي في المغرب مباشرة جنوب مدينة أكادير التي تعج بالحركة. ورغم قربه من عدة مواقع على طول المسار السياحي للمغرب، فإن المناظر الجبلية الصحراوية الجرداء التي يتميز بها إقليم اشتوكة أيت باها بعيدة كل البعد عن شوارع مدن البلاد النابضة بالحيوية والتي تعج بالحركة. إلّا أن هذه المنطقة النائية نسبيًا هي موطن لأشجار الأركان المذهلة. فهذه الأشجار، التي هي كنز من كنوز المغرب، لا توفر إحدى صادرات البلاد الأكثر قيمة فحسب، زيت الأركان، بل هي ضاربة بجدورها أيضًا في الإقليم وتنمو بشكل طبيعي فقط في المغرب وحوله!

وتزرع هذه الأشجار التي تتمتع بالقدرة على مقاومة الجفاف والحرارة منذ قرون عدة في منطقة آيت صواب- آيت منصور في إقليم اشتوكة أيت باها. فبمقدور أشجار الأركان تحمل درجات حرارة تصل إلى 50 درجة وتؤدي دورًا لا غنى عنه في حياة أفراد المجتمعات المحلية القاطنين المنطقة. وقد أوجد السكان المحليون الذين يعيشون في هذه الأراضي القاحلة وشبه القاحلة نظام إنتاج مذهلًا يقوم على أشجار الأركان. إذ يستخرج أفراد هذه المجتمعات المحلية الزيت ويصنعون منتجات أخرى من أشجار الأركان، ويزرعون الأرض الواقعة حول الأشجار ويربون الماعز الذي يتسلق هذه الأشجار غير العالية ليأكل ثمار الأركان. ولهذا السبب، فإنه يعرف بكونه نظامًا زراعيًا (الزراعة) حرجيًا (الأشجار) رعويًا (الماعز).

وقد صنّفت المنظمة، في عام 2018، آيت صواب- آيت منصور على أنها من نظم التراث الزراعي ذات الأهمية العالمية، وذلك تقديرًا منها لممارسات المجتمعات المحلية الزراعية الفريدة والمتسمة بالقدرة على الصمود وتراثها الثقافي الذي لا يقدر بثمن الذي صان هذا المنظر الطبيعي والتنوع البيولوجي المتميزين. وإن هذا النظام الزراعي الحرجي الرعوي القائم على أشجار الأركان هو مجرد واحد من المواقع المبتكرة لنظم التراث الزراعي ذات الأهمية العالمية البالغ عددها 62 موقعًا.

ما فائدة استخدام زيت الأركان إذًا؟

يعتبر زيت الأركان المنتج الرئيسي المستخرج من شجرة أركان وربما المنتج المشتق منها الأكثر شهرة في العالم. فهو يستخرج من لوز ثمار شجرة الأركان ويستخدم على حد سواء في تحضير الطعام، بطريقة مماثلة لزيت الزيتون، ولصنع مستحضرات التجميل، لترطيب كل من الجلد والشعر. وإن استخراج الزيت عمل يقتضي وقتًا طويلًا – وواقع الأمر أنه لإنتاج نصف لتر فقط من الزيت، ثمة حاجة إلى 50 كيلوغرامًا من الثمار، ولهذا السبب، عادة ما يكون سعر زيت الأركان في السوق أعلى بكثير من سعر زيت الزيتون. ومنذ تسعينيات القرن الماضي، عندما أصبحت الفوائد الغذائية والتجميلية والعلاجية التي يتمتع بها زيت الأركان معروفة بدرجة أكبر، سجّل هذا الكنز الدفين من أعماق المغرب تغييرات في السوق الدولية أيضًا.

وتعتبر منتجات أشجار الأركان مصدرًا رئيسيًا للدخل بالنسبة إلى المجتمعات المحلية في المنطقة، وتتولى النساء الريفيات استخراج زيت الأركان في منازلهن منذ قرون في مناطق زراعة أشجار الأركان باستخدام وصفات تقليدية. فالنساء يقمن بتكسير القشرة الصلبة لثمار الشجرة بواسطة حجر واستخراج النواة وتقطيعها، قبل إضافة بعض الماء الدافئ للمساعدة على استخراج الزيت. كما يشكِّل استخراج زيت الأركان مناسبة اجتماعية للنساء للالتقاء ببعضهن البعض.

كما تنتج شجرة الأركان نوعًا ممتازًا من الخشب والفحم، يحظى بقيمة كبيرة في مختلف أرجاء الإقليم، يستخدم في معظم كبريات المدن المغربية منذ فترة طويلة.

منطقة ذات تنوع بيولوجي شديد

تعتبر المنطقة منطقة ذات تنوع بيولوجي شديد، تزرع فيها أشجار الأركان جنبًا إلى جنب مع ما يزيد عن 50 نوعًا من النباتات المزروعة مع 102 من الأصناف المحلية، كلّها متوطنة في الإقليم، و16 من السلالات المحلية من الأبقار والأغنام والماعز والجمال والخيول والدواجن ونحل العسل. وترتبط سبل كسب عيش المجتمعات المحلية بشكل وثيق بهذا التنوع البيولوجي الذي يوفر الأغذية والأعلاف الحيوانية والبذور والدخل. وتعد أشجار الأركان الركيزة التي يقوم عليها هذا النظام الزراعي التقليدي، إذ تؤدي دورًا رئيسيًا في تحقيق الاستقرار الإيكولوجي للإقليم وتوفر معظم دخل المزارعين. ولكن النظام المتكامل يتيح للمجتمعات المحلية أيضًا أغذية ومواد أخرى مثل المحاصيل الأساسية والحبوب والحطب واللحوم والصوف.

الممارسات الزراعية البارعة

لقد أوجدت المجتمعات المحلية الكثير من السبل الذكية لاستخدام الأراضي، بما في ذلك ممارسات الحراجة الزراعية التي تتمتع بقدرة عالية على الصمود في وجه البيئة القاحلة المتسمة بندرة المياه والتربة الرديئة. فعلى سبيل المثال، قام المزارعون، بالنظر إلى محدودية الأراضي الصالحة للزراعة والتضاريس الجبلية للمنطقة، بتهيئة مناطق مسطحة في شكل مدرجات لزراعة أغذيتهم. وتساعد هذه المدرجات الحجرية التربة على الاحتفاظ بالماء والحد من التآكل بحيث يمكن زراعة المحاصيل في ظروف الزراعة البعلية.

ونظرًا إلى ما تكتسيه المياه من أهمية بالغة في هذا النوع من المناخ الجاف القاحل، استحدث المزارعون المحليون نظامًا لإدارة المياه تم توارثه أبًا عن جد لقرون. فإضافة إلى القنوات الطويلة المبنية على طول سفوح الجبال، حفر الرعاة الزراعيون في الصخور تحت باطن الأرض خزانات كبيرة لتجميع مياه الأمطار، تسمى المطفية. وتقوم هذه الكهوف الجوفية الكبيرة بتجميع مياه الأراضي الموجودة فوقها وتصفيتها، وهي تتميز بمستوى كبير من الفعالية في جمع المياه بحيث يمكن للسكان المحليين مواصلة سبل عيشهم رغم فترات الجفاف الطويلة.

وعملية جمع المياه ليست الأمر الوحيد المثير للإعجاب جدًا، بل ثمة أيضًا الطريقة التي تدار بها. فإدارة الموارد المائية تُنظم من خلال الجماعة المحلية التي هي عبارة عن لجنة من الحكماء. فالجماعة تتولى تنظيم السلع الجماعية مثل المياه وحلّ النزاعات التي تقوم بين سكان القرى. وإن قرارات الجماعة لا تقبل الجدل، فهي قد حظيت بالاحترام على مدى أجيال عديدة وتشكّل جزءًا أساسيًا من المجتمع.

اليوم الدولي لشجرة الأركان

حددت الأمم المتحدة يوم 10 مايو/ أيار باعتباره اليوم الدولي لشجرة الأركان، وهو فرصة لتقدير هذا المورد الذي لا يقدر بثمن والمجتمعات المحلية التي تقوم بتجهزيه وزراعته. وفي هذا اليوم، نحتفل بأشجار الأركان، وموقع آيت صواب- آيت منصور المصنّف على أنه من نظم التراث الزراعي ذات الأهمية العالمية والمجتمعات المحليةالتقليدية في مختلف أنحاء العالم التي تؤدي تقنياتها الزراعية المبتكرة إلى زيادة القدرة على التكيف مع تغير المناخ وتعزيز الأمن الغذائي.

M99TV
www.m99.ma


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...