كلمة السيد محمد عبد النباوي الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية بمناسبة الندوة الإقليمية المنظمة من طرف اللجنة الأوربية لنجاعة وفعالية العدالة

*كلمة السيد محمد عبد النباوي الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية بمناسبة الندوة الإقليمية المنظمة من طرف اللجنة الأوربية لنجاعة وفعالية العدالة بتعاون مع الشبكة الأوروبية لمصالح تفتيش العدالة والمفتشية العامة للشؤون القضائية بالمغرب تحت عنوان: “نحو إنشاء شبكة البحر الأبيض المتوسط لمصالح تفتيش العدالة”*
*ألقاها بالنيابة عنه الأمين العام للمجلس الأستاذ مصطفى الإبزار*

الدار البيضاء 11 ماي 2022

بسم الله الرحمان الرحيم والصلاة والسلام
على مولانا رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين

• السيدة كارمن مورتيز كومز، رئيسة مكتب مجلس أوروبا بالمغرب
• السيد مولاي الحسن الداكي، الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، رئيس النيابة العامة.
• السيد كريستوف ستاردو، رئيس المفتشية العامة للقضاء الفرنسية، رئيس الشبكة الأوروبية لأجهزة التفتيش القضائي.
• السيد عبد الله حمود، المفتش العام للمفتشية العامة للشؤون القضائي بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية.
• السيدات و السادة المفتشون العامون الأفاضل و أعضاء أجهزة التفتيش القضائي بكل الدول الصديقة و الشقيقة المشاركة
• السيد ممثل مفوضية الاتحاد الأوربي بالرباط
• السيد ممثل المنظمة الدولية للفرنكوفونية
• السيد ممثل صندوق الأمم المتحدة للتنمية

حضرات السيدات والسادة؛ الحضور الكريم كل باسمه وصفته والاحترام الواجب لشخصه؛
بفيض من مشاعر الفخر والاعتزاز، أتشرف بالمشاركة معكم في هذا اللقاء المتميز الذي أخذ على عاتقه مناقشة موضوع بالغ الأهمية والتعقيد، يحمل من الرمزية والدلالات ما يجعلنا نستشعر ثقل مسؤوليات القاضي من جهة وصعوبة مهمة المفتش القضائي من جهة أخرى وفق مقاربات مختلفة ومتكاملة يتقاطع فيها الجانب القانوني بالأخلاقي والحقوقي بالاجتماعي.
واسمحوا لي في البداية أن أهنئكم على اختيار هذا الموضوع كما أغتنم هذه المناسبة لأتقدم بجزيل الشكر وعظيم الامتنان للسيدة “كارمن مورتيز كومز”، رئيسة مكتب مجلس أوروبا بالمغرب والسيد “كريستوف ستاردو”، رئيس الشبكة الأوروبية لأجهزة التفتيش القضائي و الى كل السيدات و السادة المفتشون العامون الأفاضل و أعضاء أجهزة التفتيش القضائي بكل الدول الصديقة و الشقيقة المشاركة معنا اليوم بصفة شخصية أو عن طريق التناظر المرئي , على دعمهم و مساندتهم لهذه المبادرة المتميزة و على اختيار المملكة المغربية بلدا محتضنا لتأسيس شبكة جنوب البحر الأبيض المتوسط لأجهزة التفتيش القضائي و التي ستساهم لامحالة في تجديد الصرح المشترك للعدالة وإضافة قيمة جديدة لبرامج التعاون الدولي والانفتاح على العالم القضائي ومستجداته.
سيداتي سادتي
لقد خلد قضاة وقاضيات مملكتنا الشريفة في شهر أبريل المنصرم الذكرى الخامسة لتنصيب المجلس الأعلى للسلطة القضائية وميلاد السلطة الثالثة في الدولة، وبداية عهد جديد في تدبير استقلال السلطة القضائية، التي أصبحت لها مؤسساتها القيادية التي تدبر الوضعية المهنية للقضاة وتحمي استقلالهم، وتشرف على أعمالهم وتراقبها، وفقا لما هو مقرر بمقتضى الدستور ومحدد في النصوص القانونية المتعلقة بإصلاح القضاء ببلادنا، وخاصة منها القانون التنظيمي رقم 100.13 المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية و القانون التنظيمي رقم 106.13 المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة.
فدستور المملكة لا يُلزم القضاة سوى بتطبيق القانون تطبيقاً عادلاً, وإن التمعن في هذا المقتضى الدستوري الذي نص عليه الفصل 110 من دستور المملكة يؤدي إلى نتيجة هامة مؤداها تسخير النص القانوني لتحقيق العدل والإنصاف. فالأحكام يجب أن تجيب على كل الدفوع وترد على الطلبات وتناقش كل الوسائل. ويتعين أن توفر حيثياتُها أجوبة على تساؤلات المنتقدين والدارسين، بالإضافة إلى دفوعات الأطراف المعنيين. وتكون مستندة لنصوص القانون وللاجتهادات المستقرة، وتعكس منطق الإنصاف ومبدأ العدل. وهي فوق ذلك يجب أن تَصدر في وقت معقول وأن تنفذ في زمن ملائم. و دورنا جميعا , كل من موقعه, هو نشر هذه القواعد والدفاع عنها وترسيخها بالتحسيس والترغيب، وإن اقتضى الحال بالطرق القانونية المناسبة.
ولئن كان استقلال القضاة في مهامهم القضائية قد تيسر وفقا لما قرره الدستور، بفضل رئاسة جلالة الملك للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، واحترام السلطتين التنفيذية والتشريعية لمبدأ فصل السلط، فإن هذا الاستقلال لا يعد امتيازا مخولا للقاضي ليعمل بهواه بمنأى عن كل محاسبة أو رقابة بل إن مبدأ استقلال القضاء يعد بالأحرى قاعدة ديمقراطية أساسها الضمير المسؤول وغايتها ضمان حسن سير العدالة وقوامها حماية حقوق المتقاضين عن طريق قضاء مستقل ومحايد يخضع لرقابة المجلس الأعلى للسلطة القضائية بمساعدة المفتشية العامة للشؤون القضائية. طبقا لأحكام الفقرة الثالثة من الفصل 116 من الدستور، هذا الجهاز المحوري الذي يقوم بتتبع وتقييم الأداء القضائي للمحاكم استنادا إلى مؤشرات قياس النجاعة والفعالية والجودة؛ والوقوف على مدى تنفيذ برامج العمل المتعلقة بكيفية النهوض بأعباء الإدارة القضائية؛ وكذا رصد المعيقات والصعوبات التي تعترض الرفع من هذه النجاعة ، واقتراح الحلول والوسائل الكفيلة بتقويم الاختلالات المرصودة. طبقا لمقتضيات القانون رقم 38.21 المتعلق بالمفتشية العامة للشؤون القضائية.
سيداتي سادتي
ان الرقابة المقصودة في هذا الإطار، لا تهدف الى رصد الثغرات والاختلالات بهدف التأديب والزجر والترهيب والتضييق على القضاة أو المس باستقلالهم، بل انها تهدف بالأساس الى التقويم والتأطير والدعم والمواكبة، واسمحوا لي في هذا الباب أن أستحضر معكم مقتطفا من الخطاب السامي لجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده بمناسبة افتتاح الدورة الجديدة للمجلس الأعلى للقضاء بالرباط في فاتح مارس 2012 حيث قال جلالته: “…وفي هذا الصدد يجب على المجلس الاعلى للقضاء أن يعزز المكتسبات وينخرط بكل حزم ووضوح في هذا الورش الاصلاحي الكبير مضطلعا بمهامه الدستورية كاملة في السهر على ضوابط وأخلاقيات القضاء بالمعاقبة التأديبية الحازمة والصارمة لكل الذين أثبتوا عدم أهليتهم لتحمل ما طوقوا به من مسؤوليات بسبب تفريطهم وتجاوزاتهم أو الذين أساؤوا لسمعة القضاء بسلوكهم وتصرفاتهم والذين ينسفون في لحظة واحدة بانحرافاتهم الشائنة ما تحقق من منجزات خلال سنوات من الكد والجهد.
كما ينبغي للمجلس أن يعمل بنفس الحزم والعزم على النهوض بدوره الاساسي في تعزيز الضمانات التي يكفلها الدستور للقضاة معتمدا المساواة والتجرد في تدبير وضعيتهم المهنية بناء على المعايير الموضوعية المضمنة في نظامه الداخلي الذي حظي بمصادقتنا السامية حريصا على مكافأة خصال النزاهة والاستقامة والاستحقاق ونكران الذات والجدية والاجتهاد والشجاعة….” انتهى النطق الملكي السامي.
حضرات السيدات والسادة
ان النموذج التنموي الجديد للمملكة المغربية اعتبر العدالة محوراً أساسياً من محاوره، ووضع يده على مجموعة من العوائق، تحول دون الوصول إلى نموذج العدالة الذي تصبو إليه بلادنا. وتمحورت التوصيات المرتبطة بها أساسا، حول تعزيز الحقوق والحريات، وتحسين آليات التنسيق والعمل في انسجام وشفافية بين جميع الفاعلين في قطاع العدالة. كما أكد على أهمية تحسين الأداء، والتقليص من بطء العدالة وتسريع وثيرتها، والرفع من قدرتها على تنفيذ أحكامها. بالإضافة إلى تخليق منظومة العدالة على جميع مستوياتها.
وفي هذا الإطار يعمل المجلس الأعلى للسلطة القضائية من خلال مخططه الاستراتيجي 2021/2026 للمساهمة في عدة أوراش لاستكمال البناء المؤسساتي للسلطة القضائية ودعم مؤسساتها وهياكلها بالوسائل القانونية والمادية والبشرية اللازمة لحسن سيرها، بما يسمح بتحقيق عدالة حامية للحقوق والحريات والممتلكات، تكون مصدر ثقة وأمان للجميع. وعلى رأس هذه الهياكل نجد المفتشية العامة للشؤون القضائية كمكون أساسي للنهوض بقطاع العدل، الغاية منه هو التوجيه والتقويم والدعم والمواكبة بالدرجة الأولى كما سلف الذكر عبر آليات الضبط والمراقبة، وتطبيق القانون ومحاربة كل أشكال الفساد وتقوية دور المفتش القضائي، باعتباره المؤطر المهني، والأخلاقي للعمل القضائي.
حضرات السيدات والسادة المحترمين؛
نحن جميعاً مستأمنون على مبادئ العدالة وقيم الأخلاق القضائية، ولذلك فإن من واجبنا حمايتها وصيانتها والذود عنها بكل الوسائل المشروعة وإن المحاورالتي اخترتموها لهذا اللقاء المبارك لتنم عن الوعي العام الذي أصبح يحركنا جميعا للرفع من أداء العدالة عبر التعاون الدولي المثمر والحوار البناء بين مؤسسات السلطة القضائية وباقي الفاعلين في مجال العدالة في جميع دول العالم. فاسمحوا لي أن أشدّ على أيديكم جميعا، وأُجزل شكركم مجددا على هذه المبادرات المتواصلة والدعم الموصول الذي نحظى به على الدوام، ونجدد التأكيد على أننا سنظل أوفياء للتعاون والحوار وإبداع الحلول المنسجمة مع مبادئ الدستور وروح ومضامين النموذج التنموي الجديد الجديرة بمغربنا وبطموح ملكنا من أجل تحقيق شعار “العدالة في خدمة المواطن”.
وأخيراً، إني لواثق من أن جمعكم المبارك هذا، والمبني على قناعة الحوار العلمي والتشبث القوي بالمبادئ والضمانات الدستورية واحترام الرأي والرأي الاخر، سيشكل مناسبة هامة للإفادة والاستفادة وتقاسم الأفكار والخلاصات، في ضوء الرصيد العلمي والمهني الغزير الذي راكمتموه بعملكم المتواصل وعزمكم الدؤوب.
ولذلك أدعو الله تعالى أن يبارك مسعاكم في تأسيس وإطلاق شبكة جنوب البحر الأبيض المتوسط لأجهزة التفتيش القضائي، ويكلل مبادرتكم هاته بالتوفيق والسداد.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...