المساطر المرجعية او الاستنادية تجارة مربحة للمجرمين والفاسدين وكابوس المظلومين في غياب آليات المحاكمة العادلة

قناة م٩٩:

إن توفير الحماية للحريات والحقوق الفردية واجب على عاتق الدولة، والتزام مفروض عليها، تضم تحت جناحيها أفرادا يعشون فيها، ويتحقق من خلال تقرير مبدأ الشرعية الجنائية في جانبها الموضوعي وكذا المسطري، فإذا كان الفكر الإنساني قد اهتدى عبر مراحل نضاله الطويل إلى ضرورة إعلاء راية حقوق الدفاع والانتصار إلى العدالة فيما تضمنته الإعلانات ذات العلاقة وكذا المواثيق الدولية إلى جانب الدساتير المغربية.

والدولة باعتبارها صاحبة الحق في العقاب، لا تستطيع بهذه الصفة اقتضاء حقها بالتنفيذ المباشر على المتهم مهما بلغت خطورة الجريمة، وإنما عليها أن تلجأ في سبيل ذلك إلى الجهات والإجراءات التي حددها القانون، إلا أن الواقع العملي أفرز لنا سبلا ومساطر لم ينص عليها القانون ولم يرسم لها إطار معين، ومن بين هذه المساطر نجد المساطر (المرجعية أو الاستنادية)

فإن المشرع المغربي خصص الفصل 110 للتعريف بالجريمة وأنه عرفها على كونها كل عمل أو امتناع عن عمل مخالف للقانون الجنائي ومعاقب عليه بمقتضاه، إلا أن الجريمة لا تقف عند فاعلها الأصلي فقط، بل قد تتعداه لأشخاص آخرين، سواء كانوا شركاء أو مساهمين.

وفي إطار تحقيق وتطبيق مقتضيات القانون فإن الضابطة القضائية تعتمد على عدة آليات للتوصل للحقائق والوقائع، ومن أبرز هاته الآليات نجد ما يسمى بالمساطر المرجعية أو كما يطلق عليها أيضًا المساطر الاستنادية او الجزئية .

هاته الأخيرة شهدت عدة مضاربات في الآراء بين مؤيد ومعارض، فالباحث في هذا الصدد لن يجد بشأنها أي أساس قانوني بالترسانة القانونية المغربية او الاجتهادات، بل إنه لا وجود لهاته التسمية أصلًا.

فالمساطر المرجعية بدعة أنجبتها الممارسة العملية للضابطة القضائية وليس لها اي أساس فانوني مما يطرح عدة تساؤلات حول مدى شرعية هذه المساطر بل مدى تأثيرها على ضمانات المحاكمة العادلة في إطار اعتمادها؟ فلا‭ ‬هي‭ ‬تحمي‭ ‬الحقوق ‬ولا‭ ‬هي‭ ‬تصون‭ ‬الحريات ‬ولا‭ ‬هي‭ ‬ترعى‭ ‬أمنا‭ ‬قانونيا‭ ‬ولا‭ ‬أمنا‭ ‬قضائيا ‬ولا‭ ‬هي‭ ‬ضمن‭ ‬التطبيق‭ ‬العادل‭ ‬للقانون.

إن للمساطر المرجعية مكانة بالغة وذات أهمية قصوى سواء بالواقع العملي للضابطة القضائية والعمل القضائي في تتبع المجرمين وإنزال العقاب على من خولت له نفسه مخالفة القانون وارتكاب فعل إجرامي ماس بسلامة وأمن الأفراد واستقرار المجتمع وذلك سواء كان فاعلًا أصليًا أو مساهمًا أو حتى مشاركًا. الاانها ‭ ‬أضحت‭ ‬تجارة‭ ‬مربحة‭ ‬لذوي‭ ‬السوابق‭ ‬الاجرامية‭ ‬وغيرهم‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬وشايات‭ ‬كاذبة‭ ‬وابتزازات‭ ‬تمس‭ ‬بالأمن‭ ‬ألقضائي ‬إن‭ ‬لم‭ ‬نقل‭ ‬أنها‭ ‬تضرب‭ ‬عرض‭ ‬الحائط‭ ‬بالقانون‭ ‬الجنائي‭ ‬المغربي‭ ‬والدستور‭ ‬المغربي.
فالمادة‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬قانون‭ ‬المسطرة‭ ‬الجنائية‭ ‬ينص‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬كل‭ ‬متهم‭ ‬او‭ ‬مشتبه‭ ‬فيه‭ ‬بارتكاب‭ ‬جريمة‭ ‬يعتبر‭ ‬بريئا‭ ‬الى‭ ‬أن‭ ‬تثبت‭ ‬إدانته‭ ‬قانونيا‭ ‬بمقرر‭ ‬مكتسب‭ ‬لقوة‭ ‬الشيء‭ ‬المقضي‭ ‬به‭ ‬بناء‭ ‬على‭ ‬محاكمة‭ ‬عادلة‭ ‬تتوفر‭ ‬فيها‭ ‬كل‭ ‬الضمانات‭ ‬القانونية‭.‬

حيث جاءت‭ ‬هذه‭ ‬المادة‭ ‬احقاقا‭ ‬للعدالة‭ ‬القضائية‭ ‬في‭ ‬حق‭ ‬المتهم‭ ‬نفسه‭ ‬والذي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬تلبس‭ ‬او‭ ‬يضبط‭ ‬بمحجوز‭ ‬او‭ ‬يعترف‭ ‬في‭ ‬محاضر‭ ‬الضابطة القضائية‭ ‬والتي‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬تصريحات‭ ‬أو‭ ‬معلومات‭ ‬لا‭ ‬تلزم‭ ‬المحكمة‭ ‬في‭ ‬شيء‭. ‬فمبدأ‭ ‬حرية‭ ‬الاقتناع‭ ‬الوجداني‭ ‬للقاضي‭ ‬الجنائي‭ ‬هو‭ ‬الأساس‭ ‬حسب‭ ‬ملابسات‭ ‬وحيثيات‭ ‬الملف،‭ ‬فالقضاء‭ ‬ليس‭ ‬أداة‭ ‬بيد‭ ‬المصرحين‭ ‬الذين‭ ‬باتوا‭ ‬يفرقون‭ ‬صكوك‭ ‬الإتهام‭ ‬والبراء لمجرد نشوب صراعات عائلية وسياسية أو ما شابه …ولنا 50.000 الف مثال بعمالة شفشاون .باب براد باب تازة وغيرهم كثير من ملفات المساطر المرجعية او الاستنادية ،للضابطة القضائية التابعة للدرك الماكي التي اعتمدت في ذلك حسب بيان لحزب معين على وشايات وشكايات مجهولة المصدر.

فالإدانة‭ ‬في‭ ‬مضامين‭ ‬المساطر‭ ‬المرجعية‭ ‬لدى‭ ‬الضابطة‭ ‬القضائية‭ ‬دون‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬الحقيقة‭ ‬حتى‭ ‬وان‭ ‬تراجع‭ ‬المصرح‭ ‬عن‭ ‬أقواله‭ ‬وأن‭ ‬الشك‭ ‬لا‭ ‬يفسر‭ ‬لدى‭ ‬النيابة‭ ‬العامة‭ ‬لصالح‭ ‬المتهم‭ ‬هو‭ ‬خرق‭ ‬للمبادئ‭ ‬الدستورية‭ ‬والقانونية‭ ‬وضمانات‭ ‬المحاكمة‭ ‬العادلة.

وباستقرائنا لمواد لقانون المسطرة الجنائية وكذلك المساطر الخاصة فلا وجود لأي مقتضى قانوني أو دستوري ينص على هذه المساطر مما يجعل منها بدعة قضائية من صنع الشرطة القضائية بتزكية من النيابات العامة لكون الأبحاث التمهيدية تجري تحت مراقبتها وإشرافها، إذ أن الأمر لا يتعلق بإجراء من الإجراءات العادية التي تحرك بها الدعوى العمومية، فهي لا تعدوا أن تكون تصريحات يدلي بها متهم في حق شخص آخر، وغالبا ما تكون مجرد من أية إثباتات تعضد وتفند تصريحاته، ليبادرو ضباط الضابطة القضائية إلى ترتيب الآثار القانونية عن تلك التصريحات بإصدار مذكرة أو برقية بحث في حق ذلك الشخص المصرح به والقبض عليه ومحاكمته والحكم عليه بناءا على تلك التصريحات.

وإذا ما رجعنا إلى دستور المملكة لسنة 2011 فهو نص على مبدأ الشرعية في شقها المسطري من خلال الفصل 23 منه حيث نص على أنه:” لا يجوز إلقاء القبض على أي شخص أو اعتقاله أو متابعته أو إدانته، إلا في الحالات وطبقا للإجراءات التي ينص عليها القانون…”

ومما يزيد من خطورة هذه المساطر أنها تكون في الغالب في جرائم المخدرات.. التي تكون غالبا على شكل عصابات، مما يجعل من المساطر المرجعية عبارة عن تصريحات كيدية قائمة على دوافع شخصية أو مطية للنيل من بعضهم البعض، وكذلك مجالا للتجارة والإبتزاز للبعض الاخر، والأدهى من ذلك هو أنها أصبحت الطريق السريع للوصول إلى بعض الأشخاص ومنهم من جعل منها تجارة مربحة خاصة من ذوي السوابق القضائية و الفاسدين.

أمام كل هذه الإشكالات والتي ترتبط في أساسها بالشرعية الإجرائية عملا بالقاعدة التي تنص على أنه لا إجراء ولا محاكمة إلا بنص، وهو الأمر الغائب تشريعيا والحاضر عمليا، ونظر للصمت التشريعي عن هذه المساطر والنقاش الدائر حولها سواء على المستوى القانوني أو على المستوى القضائي، فقد انتبه له المشرع وجاء لتداركه في مشروع قانون المسطرة الجنائية الذي جاءت المادة 286 منه لتنص على:
“… لا يجوز للمحكمة أن تبني قناعتها بالإدانة على تصريحات متهم على آخر إلا إذا كانت معززة بقرائن قوية ومتماسكة.تتلقى المحكمة هذه التصريحات دون أداء اليمين القانونية…”

ولعل هذا النص دليل قاطع على اعتبار المساطر المرجعية بدعة قضائية وهذا النص هو ما سيعطي هذا الإجراء الشرعية، بحيث اشترط في اعتماد تلك التصريحات أن تكون معززة بقرائن وإثباتات قوية ومتمسكة نافية للشك.

كما أن تلك التصريحات المدلى بها في إطار المساطر المرجعية أو المساطر الإستنادية أو المساطر الجزئية تكون غالبا مجردة من أية إثباتات، وتكون في الغالب الأعم راجعة إلى أسباب إنتقامية أو في إطار تصفية حسابات شخصية، علما أن أصل البراءة يلقي عبئ الإثبات على النيابة العامة التي يجب عليها أن تواجه المتهم بالأدلة والحجج الموجهة ضده، وهو الأمر الذي تعجز عنه النيابات العامة وتحيل مع ذلك الملف إلى قضاة الحكم مجرد من أية أدلة وإثباتات ماعدا ذلك التصريح المدلى به ضده.

وإذا كان المبدأ العام يقضي أن لا يتولد عن أعمال البحث والتحري دليل قانوني، ذلك أن تلك الأقوال المدلى بها لا تعدو أن تكون مجرد تصريحات ولا يمكن أن نعتبرها شهادة، وكما هو معلوم فهذه الأخيرة هي التي تؤدى أمام المحكمة بعد أداء اليمين القانونية، إلا الواقع العملي هو على العكس من ذلك تماما إذ أن صكوك الإتهام أصبحت بأيادي المصرحين والأخطر هو المصرح يصبح شاهدا عندما يرفع اليمين بالمحكمة.

وحيث إن ما بني على باطل فهو باطل فلا يمكن لقاضي الحكم أن يصلح ما وصله معيبا، ولا يجد ما يبني به قناعته وعقيدته تجاه الوقائع المعروضة عليه من غير تلك التصريحات التي تتحول إلى شهادة بعد أداء اليمين القانونية موجهة ضد متهم آخر لكن هذا الإحراج يزداد تفاقما إذا ما تراجع المصرح عن تصريحاته، ليجد القاضي نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما وذلك إما بإصدار حكم بالإدانة بناء على تلك التصريحات، وإما بتبرئة ساحة المتهم وهو أمر قيلا ما يحدث.

وما تجدر الإشارة إليه هنا هو أن القاضي الجنائي وهو يمارس حريته في الاقتناع له أن يبعد شهادة الشهود والاعتراف متى تبين له من خلال الأحداث والوقائع عدم صحتها، وبالتالي الحكم ببراءة المتهم وكذلك الأمر نفسه في حالة الشك إذ أن الشك يفسر لصالح المتهم كما هو معلوم، إلا الواقع العملي يكتض بالأحكام والقرارات التي صدرت في إطار المساطر المرجعية.

إن ما يمكن أن نتوج به هذا الموضوع هو القول بأن عدالة الشكل أعظم وأقدس من عدالة الموضوع، وأن القانون الإجرائي هو قانون الأبرياء، إذ لا يمكن أن نحقق ذلك الأمن القضائي الذي لطالما دعت إليه كل الجهات الرسمية في زمن مازلت فيه حرية الأفراد مهددة وليست في مأمن عن بعض الإجراءات المصطنعة والمبتدعة، والتي تخالف جميع القوانين ومن بينها القانون الأسمى للبلاد. وهو الوضع الذي يستوجب أمرين أساسيين أولا ضروة تدخل النيابة العامة للحد من هذه المسطرة المرجعية الأمر الثاني ضرورة تدخل المشرع لتنظيم هذا الإجراء والتنصيص عليه في مقتضيات مشروع قانون المسطرة الجنائية.

من اتدود طالب باحث في ق.ج
www.m99.ma

.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...